السيد كمال الحيدري
208
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)
يتبدّل ، وعلى من يطلب السعادة في المجتمع أن ينظر في أصول هذا النظام حتّى يردّ إليها أعماله ، ويبنى عليها سيرته ، وما يأخذ به نفسه ، فإن غفل عن ذلك غافل فلا ينتظر إلّا الشقاء ، وإن ارتفع في الصالحين نسبه أو اتّصل بالمقرّبين سببه . فمهما بحث الناظر وفكّر وكشف وقرّر ، أتى لنا بأحكام تلك السنن ، فهو يجرى مع طبيعة الدين وطبيعة الدين لا تتجافى عنه ولا تنفر منه » « 1 » . تفسير القدر على أساس سننى ، وإيلاء السنن الإلهية كلّ هذا الموقع المكين في الكون والطبيعة والحياة البشرية ، ثمّ تقرير سعادة المجتمع على هدى اكتشاف هذه السنن الربّانية والعمل بها ، هل يُبقى لذي مسكة شكّ أو ريبة في فاعلية هذه العقيدة القرآنية ؟ ثمّ هل بمقدور إنسان أن يرمى هذا التفسير الموغل في العقلانية بالغيبية والاستسلامية أو أن يتّهم المؤمن بالقضاء والقدر بالركون إلى الدعة بدعوى اللوذ بقوّة ماورائية مبهمة والخضوع لها ؟ على أنّ ذلك كلّه لم يمنع عبده إلى أن ينبّه أنّ عقيدة القدر تحوّلت إلى أن تكون أحد الأسلحة التي لجأ إليها جيش من المضلّلين المتحالفين مع « ولاة الشرّ » لإيهان العزائم وتثبيط النفوس وغلّ الأيدي عن العمل و « أنّ كلّ ما هو من أمور الجماعة والدولة فهو ممّا فرض فيه النظر على الحكّام دون من عداهم . . وأنّ ما يظهر من فساد الأعمال واختلال الأحوال ليس من صنع الحكّام وإنّما هو تحقيق لما ورد في أخبار آخر الزمان ، وأنّه لا حيلة في إصلاح حال ولا مآل ، وأنّ الأسلم تفويض ذلك إلى الله ! » « 2 » .
--> ( 1 ) الأعمال الكاملة للإمام محمّد عبده ، دراسة وتحقيق د . محمّد عمارة ، طبعة بيروت ، 1972 ، ج 3 ، ص 502 ، 284 ؛ تيّارات الفكر الإسلامي ، د . محمّد عمارة ، طبعة دار الشروق الثانية ، القاهرة ، 1418 ه 1977 م ، ص 305 . ( 2 ) الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية ، مطبعة المنار ، مصر ، 1367 ه ، ص 124 ؛ أسس التقدّم عند مفكّرى الإسلام ، مصدر سابق ، ص 205 .